قواعد الوساطة 2026 في المركز السعودي للتحكيم
في الأول من أغسطس 2026م، دخلت قواعد الوساطة 2026 الصادرة عن المركز السعودي للتحكيم التجاري (SCCA) حيّز النفاذ، ضمن مسار المركز في تحديث أطره المؤسسية بما يواكب أفضل الممارسات الدولية. وقد جاءت هذه النسخة ثمرة مراجعة شاملة تضمّنت مقارنة معيارية مع عشر قواعد وساطة دولية، واستطلاعاً لآراء اللجنة الاستشارية الدولية للمركز والعموم قبل اعتمادها.
والوساطة وسيلة لحلّ النزاع كثيراً ما تُغفَل رغم قيمتها، وأعرض هنا — من واقع اهتمامي بوسائل تسوية المنازعات — أبرز ما جاءت به القواعد المحدَّثة.
أولاً: ما الوساطة ولماذا تهمّك؟
الوساطة إجراء يتوسّط فيه طرفٌ محايد بين المتنازعين للوصول إلى تسويةٍ يرتضيانها، دون أن يفرض عليهما حكماً كما في التحكيم أو القضاء. وميزتها أنها تحفظ العلاقة التجارية، وتوفّر الوقت والكلفة، وتبقى قرارَ الأطراف أنفسهم. وقيمتها تظهر خاصةً في العلاقات المستمرّة التي يُراد الحفاظ عليها.
ثانياً: تنظيم أوضح لسير الإجراءات
قدّمت القواعد المحدَّثة إطاراً أكثر شمولاً وتنظيماً، إذ وضّحت آلية بدء الإجراءات وتنظيم سيرها تفصيلياً، وحدّدت دور الوسيط بدقّة. فلم يعد سير الوساطة متروكاً للاجتهاد، بل صار له مسار منضبط يعرفه الأطراف مسبقاً.
ثالثاً: الاعتراف بالوسائل الإلكترونية
واكبت القواعد التحوّل الرقمي، فنظّمت عقد الجلسات الإلكترونية، وأتاحت التوقيع الإلكتروني على اتفاقات التسوية. وهذا تيسير عملي مهم يختصر المسافات والزمن، ويجعل الوساطة متاحةً للأطراف أينما كانوا.
رابعاً: تعزيز السرّية
عزّزت القواعد أحكام السرّية وحماية الخصوصية، وهي من أهم ما يميّز الوساطة؛ إذ تطمئن الأطراف إلى أن ما يُطرح خلالها لا يُفشى ولا يُستعمل ضدّهم لاحقاً، ما يشجّع على التفاوض بصراحة.
خامساً: آلية واضحة للإنهاء والانتقال إلى التحكيم
استحدثت القواعد أحكاماً لتنظيم اتفاقات التسوية، ووضعت آلية واضحة لإنهاء الوساطة عند تعذّر الوصول إلى تسوية — بإقرار كتابي يصدر من الوسيط أو أحد الأطراف — بما يضمن سرعة وكفاءة الانتقال إلى التحكيم عند الاقتضاء، فلا يبقى الأطراف معلّقين.
سادساً: جدول رسوم أوضح
حدّثت القواعد جدول الرسوم ليكون أيسر في الفهم واحتساب التكاليف. واتّبع المركز في تقدير أتعاب الوسطاء نهجاً هجيناً يجمع بين «القيمة النسبية» في المبالغ الأدنى، و«العمل بالساعة» في النطاقات المتوسطة والعليا الأكثر تعقيداً — بما يوازن بين تيسير الوصول إلى الوساطة وعدالة تقدير الأتعاب.
خلاصة عملية
قواعد الوساطة المحدَّثة جعلت هذا المسار أكثر وضوحاً وأماناً وكفاءة، وقرّبته من أفضل الممارسات الدولية. ومن الحكمة أن ينظر أطراف العقود التجارية إلى الوساطة خياراً جادّاً قبل تصعيد النزاع، بل يمكن إدراج شرط وساطة في العقد يسبق اللجوء إلى التحكيم. والاستعانة بمختصّ في صياغة هذا الشرط تضمن أن يكون فعّالاً لا معطِّلاً.
كتبه: نافع بن سعيد السُّلمي — محكم تجاري معتمد.