→ العودة إلى المقالات
دليل عملي · ٢٠٢٦

كيف تصيغ شرط تحكيم صحيح في عقدك؟

شرط التحكيم هو البند الذي يتفق فيه طرفا العقد على إحالة أي نزاع ينشأ بينهما مستقبلاً إلى التحكيم بدلاً من المحاكم. ورغم أنه قد لا يتجاوز بضعة أسطر، إلا أنه قد يكون الفارق بين تسويةٍ سريعة سرّية، ونزاعٍ مكلِف يمتد لسنوات. والخطأ الشائع أن يُنسخ هذا الشرط من عقدٍ قديم دون فهم، فيأتي غامضاً أو ناقصاً، فيُبطله القضاء أو يصعب تنفيذه.

في هذا المقال أعرض — من واقع خبرتي محكماً معتمداً — أركان الشرط الصحيح وأبرز الأخطاء التي تُفسده.

أولاً: الكتابة والوضوح

يشترط نظام التحكيم السعودي أن يكون اتفاق التحكيم مكتوباً، وألا يحتمل الغموض. فالعبارات المبهمة مثل «يُحلّ النزاع ودّياً أو بالتحكيم» تفتح باب التنازع حول الاختصاص ذاته. والأصل أن تكون الصياغة قاطعة في الإحالة إلى التحكيم دون تردّد.

ثانياً: استقلال شرط التحكيم

من أهم ما ينبغي إدراكه أن شرط التحكيم يُعامل قانوناً كاتفاقٍ مستقل عن بقية بنود العقد. فلو بطل العقد الأصلي أو فُسخ، يبقى شرط التحكيم قائماً وصحيحاً ما دام سليماً في ذاته. ولذلك يجب أن يُصاغ بعناية مستقلة، لا أن يُعامل كبندٍ ثانوي تابع.

ثالثاً: تحديد جهة التحكيم وقواعده

على الطرفين تحديد ما إذا كان التحكيم مؤسسياً (تديره جهة متخصصة مثل المركز السعودي للتحكيم التجاري SCCA وفق قواعدها)، أم حُرّاً (يديره الطرفان بأنفسهما). والتحكيم المؤسسي أكثر أماناً للمبتدئين، لأن قواعد المركز تسدّ كثيراً من الثغرات الإجرائية تلقائياً.

رابعاً: المقر واللغة وعدد المحكمين

الشرط المكتمل يحدّد ثلاثة عناصر عملية: مقر التحكيم (المدينة التي يُجرى فيها، وله أثر على القانون الإجرائي)، ولغة التحكيم (لتفادي نزاعات الترجمة)، وعدد المحكمين (محكم فرد أو هيئة من ثلاثة). وإغفال هذه العناصر يترك الباب مفتوحاً للخلاف قبل أن يبدأ النظر في النزاع أصلاً.

خامساً: القانون الواجب التطبيق

يُفضّل النصّ صراحةً على القانون الموضوعي الذي يحكم النزاع (مثلاً: أنظمة المملكة العربية السعودية)، حتى لا يتحوّل تحديد القانون نفسه إلى نزاعٍ فرعي يستهلك الوقت والتكلفة.

أبرز الأخطاء التي تُفسد الشرط

١- الجمع بين التحكيم والمحاكم في آنٍ واحد، كأن يُذكر التحكيم ثم يُضاف بندٌ يُخضع النزاع للمحاكم — فيُلغي أحدهما الآخر.

٢- الإحالة إلى مركز تحكيم بصيغة خاطئة أو غير دقيقة في اسمه، ما يصعّب التنفيذ.

٣- ترك عدد المحكمين وطريقة تعيينهم دون تحديد، فينشأ الخلاف عند أول نزاع.

٤- الغموض في نطاق النزاعات المشمولة (هل كل النزاعات أم بعضها فقط؟).

نموذج صياغة استرشادي

«تُحال جميع المنازعات الناشئة عن هذا العقد أو المتعلقة به إلى التحكيم وفقاً لقواعد المركز السعودي للتحكيم التجاري (SCCA) السارية، ويكون مقر التحكيم مدينة جدة، ولغته العربية، وتُشكَّل هيئة التحكيم من محكمٍ فرد، ويُطبَّق على موضوع النزاع أنظمة المملكة العربية السعودية، ويكون حكم التحكيم نهائياً ومُلزماً للطرفين.»

هذا النموذج استرشادي فحسب، وكل عقدٍ له ظروفه التي قد تستلزم تعديلاً. والاستثمار في صياغة دقيقة لشرط التحكيم منذ البداية أرخص بكثير من تكلفة نزاعٍ تُفسده صياغةٌ متعجّلة.

كتبه: نافع بن سعيد السُّلمي — محكم تجاري معتمد.